سيد محمد طنطاوي

99

التفسير الوسيط للقرآن الكريم

كانت كما قال - سبحانه - بعد ذلك : * ( فَأَرادُوا بِه كَيْداً ) * أي : شرا وهلاكا عن طريق إحراقه بالنار * ( فَجَعَلْناهُمُ ) * - بقدرتنا التي لا يعجزها شيء - الأسفلين أي : الأذلين المقهورين ، حيث أبطلنا كيدهم . وحولنا النار إلى برد وسلام على عبدنا إبراهيم - عليه السلام - . وهكذا رعاية اللَّه - تعالى - تحرس عباده المخلصين ، وتجعل العاقبة لهم على القوم الكافرين . ثم تسوق لنا السورة الكريمة بعد ذلك جانبا آخر من قصة إبراهيم - عليه السلام - هذا الجانب يتمثل في هجرته من أجل نشر دعوة الحق وفي تضرعه إلى ربه أن يرزقه الذرية الصالحة ، فتقول : * ( وقالَ إِنِّي ذاهِبٌ إِلى رَبِّي سَيَهْدِينِ . رَبِّ هَبْ لِي مِنَ الصَّالِحِينَ . . ) * . أي : قال إبراهيم بعد أن نجاه اللَّه - تعالى - من كيد أعدائه * ( إِنِّي ذاهِبٌ إِلى رَبِّي ) * أي : إلى المكان الذي أمرني ربي بالسير إليه ، وهو بلاد الشام ، وقد تكفل - سبحانه - بهدايتى إلى ما فيه صلاح ديني ودنياي . قال القرطبي : « هذه الآية أصل في الهجرة والعزلة . وأول من فعل ذلك إبراهيم - عليه السلام - وذلك حين خلصه اللَّه من النار * ( قالَ إِنِّي ذاهِبٌ إِلى رَبِّي ) * أي : مهاجر من بلد قومي ومولدي ، إلى حيث أتمكن من عبادة ربي ، فإنه * ( سَيَهْدِينِ ) * فيما نويت إلى الصواب « 1 » . قال مقاتل : هو أول من هاجر من الخلق مع لوط وسارة . إلى الأرض المقدسة وهي أرض الشام . . « « 2 » . والسين في قوله * ( سَيَهْدِينِ ) * لتأكيد وقوع الهداية في المستقبل ، بناء على شدة توكله ، وعظيم أمله في تحقيق ما يرجوه من ربه ، لأنه ما هاجر من موطنه إلا من أجل نشر دينه وشريعته - سبحانه - . ثم أضاف إلى هذا الأمل الكبير في هداية اللَّه - تعالى - له ، أملا آخر وهو منحه الذرية الصالحة فقال : * ( رَبِّ هَبْ لِي مِنَ الصَّالِحِينَ ) * . أي : وأسألك يا ربي بجانب هذه الهداية إلى الخير والحق ، أن تهب لي ولدا هو من عبادك الصالحين ، الذين أستعين بهم على نشر دعوتك ، وعلى إعلاء كلمتك .

--> ( 1 ) تفسير القرطبي ج 15 ص 96 . ( 2 ) تفسير القرطبي ج 15 ص 97 .